الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

162

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يجوز أن يكون هذا من حكاية كلام إبراهيم عليه السلام أطنب به الموعظة لتصوير هول ذلك اليوم فتكون الجملة حالا ، أو تكون مستأنفة استئنافا بيانيا كما سيأتي . ويجوز أن يكون حكاية كلام إبراهيم انتهت عند قوله : وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ [ الشعراء : 95 ] أو عند قوله تعالى : يَوْمَ يُبْعَثُونَ [ الشعراء : 87 ] على ما استظهر ابن عطية . ويكون هذا الكلام موعظة من اللّه للسامعين من المشركين وتعليما منه للمؤمنين فتكون الجملة استئنافا معترضا بين ذكر القصة والتي بعدها وهو استئناف بياني ناشئ عن قوله : فَكُبْكِبُوا فِيها [ الشعراء : 94 ] لأن السامع بحيث يسأل عن فائدة إيقاع الأصنام في النار مع أنها لا تفقه ولا تحسّ فبيّن له ذلك ، فحكاية مخاصمة عبدتها بينهم لأن رؤيتهم أصنامهم هو مثار الخصومة بينهم إذ رأى الأتباع كذب مضلّليهم معاينة ولا يجد المضلّلون تنصّلا ولا تفصّيا ، فإن مذلة الأصنام وحضورها معهم وهم في ذلك العذاب أقوى شاهد على أنها لا تملك شيئا لهم ولا لأنفسها . وأما جملة : وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ فهي في موضع الحال ، وجملة تَاللَّهِ مقول القول ، وجملة : إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ جواب القسم . و إِنْ مخففة من ( إنّ ) الثقيلة وقد أهملت عن العمل بسبب التخفيف فإنه مجوز للإهمال . والجملة بعدها سادّة مسد اسمها وخبرها . واقتران خبر ( كان ) باللام في الجملة التي بعدها للفرق بين إِنْ المخففة المؤكدة وبين ( إن ) النافية ، والغالب أن لا تخلو الجملة التي بعد إِنْ المخففة عن فعل من باب ( كان ) . وجيء في القسم بالتاء دون الواو والباء لأن التاء تختص بالقسم في شيء متعجب منه كما تقدم في قوله تعالى : قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ في سورة يوسف [ 73 ] ، وقوله : وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ في سورة الأنبياء [ 57 ] ، فهم يعجبون من ضلالهم إذ ناطوا آمالهم المعونة والنصر بحجارة لا تغني عنهم شيئا . ولذلك أفادوا تمكن الضلال منهم باجتلاب حرف الظرفية المستعار لمعنى الملابسة لأن المظروف شديد الملابسة لظرفه ، وأكدوا ذلك بوصفهم الضلال بالمبين ، أي الواضح البيّن . وفي هذا تسفيه منهم لأنفسهم إذ تمشّى عليها هذا الضلال الذي ما كان له أن يروج على ذي مسكة من عقل .